مقابلة مع مجلة Arabian Business Magazine

سنطيل أعمار العرب!

Mohamed Elaassar

الخميس، 30 يناير 2014

 

غسان اللحام المدير التنفيذي لشركة الحوسبة الصحية الدولية.

أصبح عامة الناس في الوطن العربي يعتمدون على التقنية بشكل كبير لتنظيم حياتهم الشخصية، لكن في كثير من الأماكن لا تزال المنشآت الصحية متأخرة نسبياً في رقمنتها. وحتى إذا كانت مرقمنة فهي لا تتصل ببعضها البعض من خلال منظومة واحدة جامعة. فبينما أصبح من شبه المستحيل أن تنسى تاريخ أعياد ميلاد أشخاص لم ترهم منذ سنوات لأن هاتفك الذكي المتصل بهم عن طريق فيسبوك سيذكرك، فان من المحتمل أن تنسى لقاحاً مهماً لأحد أطفالك أو حساسية لديك من دواء قد يودي بحياتك. لذلك يعمل غسان اللحام مدير شركة الحوسبة الصحية الدولية لنقل تجربة الأردن الرائدة في هذا المجال إلى الدول المحيطة.

يرى غسان اللحام أنه «من العار أن نذهب إلى متجر بقالة في مدننا ونجده مرقمنا بالكامل، بينما مستشفياتنا ببنيتها التحتية المكلفة والحيوية تعمها الفوضى وتملؤها الأوراق المتناثرة. حياة الناس وسلامتهم على المحك. ونستطيع بفضل تلك البرمجيات المفتوحة تقديم حلول بتكلفة زهيدة دون التضحية بالجودة». وتلك التجربة الرائدة التي أثبتت جدواها في المملكة الأردنية الهاشمية بدعم حكومي واسع بإمكانها مساعدة العديد من الدول العربية بالفعل.

المنظومة التي تقيمها الشركة في مشروعاتها بسيطة وحيوية في آن واحد، يتسأل المرء كيف لم يتم تطبيقها بالكامل من قبل، خاصةً وأن الفرصة التجارية من إتمام هذا التحول تم تقديرها بـ 2 مليار دولار. يشرح اللحام أن «لطالما رأينا الملفات الورقية السميكة لدى طبيبنا المعالج، ومنطقيا لا يمكن أن يكون يمضي ساعة قبل استضافة كل مريض لقراءتها بالكامل. مع نظامنا تكون معلومات المريض كاملة على شاشة واحدة فوريا موضح عليها كل ما يجب معرفته».

فبجانب تحسين الإنتاجية وتقليل التكلفة وتسريع الخدمة الذي تجلبه التقنية الحديثة إلى كل ما تلمسه، فان تطبيقها في القطاع الطبي لها فوائد أكبر وتقوم بدرء مخاطر متعددة. يوضح اللحام: «نستخدم رقم المواطنين القومي فقط للتعريف. لا يحتاجون إلى أي مستندات أخرى ويمكن معرفة كل المعلومات عنهم على الفور. فإذا كان الشخص يعاني من أي حساسية أو مرض مزمن يتم تحذير القائمين على الخدمة الصحية. كما يمنع النظام تفاعل الأدوية الخطر مما قد ينقذ حياة المريض: بكل بساطة بعض المراهم الموضعية والتي يتجاهل المرضى ذكرها للطبيب يمكن أن تقتل إذا تفاعلات مع دواء لالتهاب الشعب الهوائية». كما أن النظام يتيح خاصية تذكير بالإجراءات الطبية المهمة. فعلى وجه المثال إذا توجهت سيدة أربعينية إلى المستشفى للإصابة بالبرد، يرى طبيبها المعالج تنبيه على الشاشة أنها قد تجاهلت الكشف عن سرطان الثدي وسيتمكن من نصحها.

التطوير فكر أولا
يقر اللحام أن التكوين الإداري المبتكر لذلك المشروع من أهم عوامل نجاحه. فالشركة مؤسسة غير تجارية في المقام الأول، تقوم على أساس مفهوم مستحدث في قانون الأعمال حول العالم يتمثل في تخصيص هيكل مختلف للمشاريع التي لديها توجه اجتماعي خالص. ومن الملفت أن الأردن انطلقت بالفعل في هذا الاتجاه بينما الكثير من مشرعي العالم الأول لم يحرزوا هذا التقدم في الوعي بعد. «نحن شركة خاصة غير هادفة للربح مسجلة في الأردن. وهذا وضع قانوني مستحدث اختارته حوالي 15 شركة هناك. وهو نظام جيد جدا لأي مشروع يخدم المجتمع ويحتاج إلى تضافر جهود عدد من المؤسسات».

ولذلك عدة فوائد يلخصها اللحام في أن «إنشاء الشركة لتنفيذ هذا البرنامج بشكل مركزي كانت خطوة بالغة الأهمية. فإذا كنا اتجهنا إلى برنامج قومي نعين له 5 أو 10 موظفين في كل منشأة طبية كانت التكاليف لتكون باهظة ولا أعتقد إنه كان لينجح. بدلا من 220 شخص كان سيتوجب تعيين حوالي 900 وبدلا من بناء معرفة كنا سننتهي إلى جزر متشتتة عبر البلد لا تتواصل مع بعضها البعض».

«لقد خدمنا التقدم في الأردن في المجالين الذين نحتاج إليها تحديدا. فهناك أعداد كبيرة من المبرمجين ومهندسي الحاسب الآلي المتمكنين، كما أن القطاع الصحي متميز ويعد الأول في اجتذاب السياحة العلاجية عربيا والخامس عالميا. وتلك أعمدة جمالنا. وعندما رأينا أن قطاع الصحة لا يجتذب شباب المبرمجين بنفس درجة قطاع خدمات الإنترنت قمنا بإنشاء تخصص في الجامعات بالتعاون مع المستشفيات لعلوم الحاسب الآلي المتخصصة في الصحة «حكيم أكاديمي».

ولم يأخذ تغيير الثقافة عقودا كما يردد محبو تيئيس الشعوب العربية. لقد نضجت الفكرة وأتت بثمارها في وقت قياسي من لا شيء، مثبتة أن نظم الحوكمة العلمية يمكنها مواجهة معضلاتنا بجدارة. يقص اللحام نشأة وتطور المشروع «لقد بدأنا في التفكير بهذا الأمر عام 2007. وشكلت لجنة من 12 عضو لدراسة الموضوع بتعمق والقياس على التجارب السابقة للدول الأخرى. فعندما أعرب جلالة الملك عن نيته تحسين المنظومة الصحية في الأردن اقترح البعض بناء المزيد من المستشفيات، والبعض الآخر زيادة دعم الدواء، لكن الجميع اتفقوا على أن دقة المعلومات عن الصحة تنقصنا. فبدون المعلومات لا يمكنك اتخاذ القرار الصائب بطريقة علمية. نظرنا إلى تجربة كندا التي تعثرت بسبب نظام كروت لم يعمل كما يجب في البداية، والمشاكل العديدة التي كلفت المملكة المتحدة ما يقرب من 12 مليار دولار ولم تقنع المواطنين بالمشاركة. وعندما وجدنا هذا النظام واستفسرنا عنه طلبنا معرفة تكلفته، وجاء الرد أنها حوالي 200 دولار. تصورنا أنهم يعنون 200 مليون دولار لكن في الواقع كان الأمر 200 دولار أمريكي مصاريف شحن للنظام المفتوح! استلزم حينها بناء معرفة للعمل عليه لأنه يعمل بتكنولوجيا برمجة مختلفة عن ما هو شائع عندنا».

تلى ذلك تأسيس الشركة الأم عام 2009 لرقمنة الرعاية الصحية في الأردن. فلم تكن النظم الورقية كافية لإجابة احتياجات القطاع في أي مكان في العالم. واشترك كل المعنيين بالأمر في المشروع: وزارات الصحة والاتصالات، الخدمات الصحية الملكية، مراكز السرطان، جمعية المستشفيات الخاصة، وغيرها. كل هؤلاء منظمات حكومية أو شبه حكومية فنشأ كيان غير هادف للربح. واليوم يمكن للحام أن يؤكد بثقة: «ستكون جميع المستشفيات العامة والخاصة في الأردن متصلة بنظامنا المركزي بحلول 2017 عن طريق شبكة الألياف الضوئية».

الإشراك في النجاح
يقول غسان اللحام: «ما أحرزناه في 5 سنين منذ بداية التفكير في تطوير الصحة أكثر مما توقعناه بكثير. لقد حققنا أكثر مما كنا نطمح بكثير، ثم جاء الناس من كل المنطقة ليطلبوا المساعدة لإعادة التجربة». ولذا جاء إلى دبي ليشارك في مؤتمر صحة العرب مع أكثر من 3500 عارض من أكثر من 60 بلدًا من جميع أنحاء العالم. ويوضح: «الآن لدينا ذراع بإمكانه تحقيق بعض الأرباح سنعمل من خلاله على إشراك الآخرين في تجربتنا الناجحة وتغطية التكاليف في الأردن. والآن نبدأ أول مشروع لنا في الخارج بأحد أهم المستشفيات بالمنطقة: مركز الفاروق الطبي. هذا التفرع فاجئنا بنجاحه. فبين عشية وضحاها، وجدنا أنفسنا ننافس أهم اللاعبين العالميين في القطاع. وكل ذلك يتم بخبرات عربية، فلدينا 220 خبير من المنطقة يتفهمون ثقافتنا ومشاكلنا وكيف تدار الأمور لدينا».

ويرى اللحام أن ندرة البدائل الجيدة والاقتصادية هو ما أخر تقدم رقمنة المنظومة الصحية في المنطقة حيث أن «تلك المنظومة التي استطعنا بنائها فريدة من نوعها في العالم العربي. البدائل تتمثل في حلول باهظة الثمن ومنفصلة تماما عن واقعنا ولا تعبأ به. المشروع مستمر بنجاح في الأردن والبرمجيات لا يملكها أحد فلن تختفي مع إفلاس شركة مثلا لتصبح المنظومة لا معنى لها». بحسب تعبيره.

ويؤكد ذلك نظرية المدافعين عن البرمجيات المفتوحة وعن دورها الممكن في التنمية: «يعود هذا النجاح إلى شيء بسيط جدا وهو حسن اختيار البرمجيات. وقع اختيارنا على منصة VA وهي مفتوحة يمكن استخدامها وإتاحة الكود للجميع وتطويعها كليا وفقا للاحتياج منذ 26 عاما تطورت خلالها. وتعد هذه من أكثر الحلول انتشارا في قطاع الخدمات الصحية في العالم حيث تم نشرها في 1,900 منشأة طبية في الولايات المتحدة والعالم بنجاح. تلك التجارب أعطتنا مصداقية واسعة عند مخاطبة المستشفيات».

وتلك المرونة تمكن أيضا من تغيير النظم العالمية لتوائم احتياجات محلية بسهولة كي لا تفشل «بفضل البرنامج الفتوح تمكنا من تحضير حلول

خاصة بالمنطقة العربية، وقمنا بتعريب المنظومة إضافة العوامل الديمجغرافية، وربط النظام بوزارة الداخلية، وتغيير كل ما يخص الدواء إلى ما هو متوافر في المنطقة. لكن أهم شيء على الإطلاق هو تغيير نظم العمل بالنظام والخطوات المتتالية لتتناسب مع المعمول به في مستشفياتنا. يساعد ذلك كثيرا في تفادي مقاومة التغيير إلى النظام الجديد عند العاملين في الق

طاع من أطباء وغيرهم. نعطيهم خطوات بسيطة ونتيح برامج إدارة التغيير ليتمكنوا من الاستفادة من البرنامج

أيضا. هناك الكثير من شركات التقنية لا تفهم تلك الخصوصية، أما نحن فلدينا ضمن صفوفنا عناصر أتوا من المهن الطبية إلى جانب الفنيين: 4 أطباء و15 ممرضة وفنيي تحاليل وأشعة يمكنهم مخاطبة نظرائهم بشكل أفضل».

ويتوافق ذلك المفهوم في تبادل المعارف مع حمض المؤسسة النووي المستمد من الخدمة العامة. يقول اللحام أن «بما أن مجلس الإدارة ليس به مؤسسات تجارية فهم يريدون برهنة النجاح لتلك الكيانات في المقام الأول بغض النظر عن الربح. كما أن الهدف الرئيسي من الانتشار إقليميا هو تبادل الخبرات والمعلومات، وتلك البيانات عند تجميعها ستكون في غاية الأهمية بالنسبة للباحثين والأكاديميين لرفع مستوى الصحة العامة في مختلف البلدان المشاركة. يمكن هكذا رصد عرض مرضي غريب مثلا ف

ي عدة بلدان مبكرا، والانتباه إليه لتلافي انتشار الأوبئة. لقد اجتمعنا بعدة حكومات منها حكومة أبوظبي ووجدنا اهتمام كبير بذلك الطابع. تبادل المعلومات سيمنح الجميع فرصة قيمة لاتخاذ القرار وإدارة الأزمات».

ولا يعني النجاح التسرع في إستراتيجية اللحام: «ننتشر بهدوء وحذر حتى لا نشتت قوانا ولكي نتأكد أن حلولنا تعمل في كل مكان

بنفس الكفاءة. وسندشن النظام الجديد في مركز الفاروق الطبي بعد شهر واحد لنثبت نضوج الفكرة وتطبيقها بنفس الكفاءة التي تمت في الأردن. ونرى اهتمام كبير بنا من مختلف أنحاء الوطن العربي، فقد تم ترشيحنا لقيادة مشاريع مماثلة في مصر ولبنان والعراق والسعودية». فالتحول، وخاصةً للأفضل، لا يمكن أن يكون فوري لكن بإمكانه أن يكون سريع: «في المتوسط تحتاج المنشأة الصحية إلى فترة تتراوح بين 8 و12 شهر لتنتقل كليا من النظام القديم إلى النظام الجديد. ومن العراقيل الأساسية في المنطقة هو عدم تواجد البنية التحتية بشكل كافي، فبعض المؤسسات تعتقد أن توصيل نقطة واحدة في المستشفى بالإنترنت تكفي ولا يأبهون لتوصيل منطقة الاستقبال مثلا. لذلك نعطي نصائح مجانية لمن ينشئون مستشفيات جديدة عن ما يحتاجونه من بنية تحتية حتى إن لم يعملوا معنا. فعند البناء لن يكلف مد بعض الأسلاك شيئا يذكر، لكن تركيب شبكات في مستشفيات تعمل بالفعل عالي التكلفة».

فلا شيء يضاهي شعور الإنسان بأنه يؤثر في محيطه إيجابا، وهذا ما يعبر عنه غسان اللحام قائلا: «كنت أعمل في مجال التعليم الإلكتروني من قبل، وفي التعليم قد تقضي 13 عاما لترى النتيجة النهائية وهو الطالب عند تخرجه. أما في الصحة فنرى النتيجة بشكل سريع. لقد درسنا فترة انتظار المريض وسلامة الدواء وغيرها من المعايير، وهي تحقق قفزة مباشرة عند رقمنة المنظومة. تلك الحلول ستساعد القطاع بطرق جديدة كليا وترفع مستوى الخدمة وجودة الحياة».